لمصلحة من تشويه الانـتصار التاريخى لحزب الله ؟
لم تكد تمر عدة أيام على الانتصار التاريخى لحزب الله ، والسقوط المخزى لآلة الحرب الإسرائيلية التى لم تفلح إلا فى قتل الأطفال وهدم البيوت ، وعجزت عن أن تمس قدرة وإرادة مجاهدى المقاومة اللبنانية ، لم تكد تمر هذه الأيام ، إلا وأطل علينا فريق من المارينز العرب، إعلاميين وسياسيين ، ليشوه الانتصار ويغطوا على الهزيمة الإسرائيلية ، من خلال تحليلات خائبة ، مدفوعة الأجر سلفاً ، أو تصريحات لزعماء سياسيين انتهى عمرهم الافتراضى بعد أن خطفوا لبنان ، وقضايا الأمة أكثر من مرة وألقوا بها ، رخيصة فى أسواق المصالح والسياسة الأمريكية .
خرج هؤلاء ، وتقيأوا ما فى قلوبهم وعقولهم من حقد مسبق على المقاومة ، ومن ساندها إقليمياً (سوريا وإيران تحديداً) ، وكان الأكثر وضوحاً والأعلى صوتاً فى محاولة تشويه المقاومة هم الساسة ، فالإعلاميون من المارينز العرب لم يعدوا ذوى قيمة أو أهمية حتى نرد عليهم لأنهم لُفظوا ، وتقريباً ماتوا بفعل الحقائق التى تخالف تحليلاتهم الخائبة ، كل يوم ، على الأرض سواء فى العراق أو لبنان أو فلسطين ، ومن بين هؤلاء الساسة يأتى (وليد جنبلاط) ، و(سعد الحريرى( ، والاثنان ، كانا قد اختفيا أثناء العدوان ، أحدهما اختبأ فى الجبل ولم يخرج من مغارته ، والثانى هرب إلى خارج البلاد ليطوف العالم سائحاً فى طائرة خاصة ؛ بحجة البحث عن حل لأزمة بلاده ، ثم عاد على طائرة فرنسية عشية انتهاء الحرب ، بعد شهر وثلاثة أيام ، فأى زعماء هؤلاء حتى يتحدثوا عن (شعوب) لم يعيشوا بينها أثناء المحنة ثم جاءوا ليتحدثوا باسمها بعد أن انتصرت المقاومة ، ثم يا ليتهم تحدثوا بما يليق بلحظة الانتصار، وبالمعاناة والألم الذى دفعه الشعب ثمناً له ، بل تحدثوا بما يهين المقاومة ويجرح مشاعر الملايين الذين التفوا حولها ، فأى تجرؤ هذا على الواقع ، وأين حمرة الخجل ، لدى من هرب من تحمل مسئولية من انتخبوه وظل خارج البلاد إلى أن علم أن الحرب انتهت فعاد ليبث سماً فى جسم الوطن ! وهل ثمة علاقة بين قيام هذان النموذجان (وليد وسعد) وغيرهما بإلقاء هذا الكم من الاتهامات ومن الهجوم والتشويه للانتصار ، وبين ما تردد من أن إسرائيل استثنت فى حربها التدميرية على لبنان (مشاريع ومصانع الأسمنت) التى تتبع وليد جنبلاط ، وقلب بيروت الصناعى "سولدير" الذى يتبع سعد الحريرى من التدمير ؟ وهل ثمة علاقة أيضاً بين الزيارات واللقاءات السرية والعلنية التى جمعت أطراف 14 آذار وبين كونداليزا رايس وزيرة خارجية الدولة الشريكة الرئيسية فى العدوان ، وبين استمرار العدوان لمدة 33 يوماً ، وكان الممكن أن ينتهى فى أقل من أسبوع واحد !! وهل يليق بلبنانى حر ووطنى أن يتحدث بعد اليوم عن نزع سلاح من حمى البلد وأذل عدوها ، وأرغمه على التراجع والبحث عن مخرج ، وسيجعله فى المستقبل يعمل ألف حساب لأى مغامرة عدوانية جديدة ؟ .
على أية حال .. إن التساؤلات عديدة ، ويهمنا بشأنها أن نسجل ما يلى ، عله يفيد ويوقظ النوم الهاجعين :
أولاً : فى تقديرنا أن الانتصار التاريخى لحزب الله ، قد فرز الأمة بالفعل إلى خندقين : خندق مَّن مع المقاومة ، ومصالح لبنان والأمة وخندق من ضد المقاومة ومصالح لبنان والأمة ، وفى هذا السياق لم يتجاوز الرئيس بشار الأسد الحقيقة والواقع حين تحدث عن مواقف (الرجال) و(أنصاف الرجال) ، لأن سيرورة الحرب والمواقف المتخاذلة وأحياناً المؤيدة والمغطية على العدوان ، أكدت بأن ثمة فرزاً رأسياً قد جرى على الأرض بين (الخنادق المقاومة) ، (والخنادق المتخاذلة) ، وإلا بماذا نفسر ما قالته السعودية – مثلاً – فى اليوم الأول للحرب ، من أن ما قام به حزب الله من أسر جنديين إسرائيليين يعد مغامرة غير محسوبة وأنه أخطأ وجر على لبنان المشاكل ، ثم قيام أحد أبرز شيوخ المملكة (عبد الرحمن بن جبرين) بإصدار وترويج فتوى تحرم مناصرة حزب الله والدعاء له لأنه حزب رافضى (أى حزب كافر) بماذا نسمى هذا الضغط السياسى ، والدينى على المقاومة اللبنانية ؟ ، بالمقابل كانت إيران وسوريا تقويان بالدعم المادى والأدبى من ظهر المقاومة والشعب اللبنانى ، وكانت سوريا – على سبيل المثال – تفتح أذرعها لتحتضن قرابة الربع مليون مهاجر لبنانى ، من المناطق التى تقاوم ، وتوفر لهم المآكل والملبس ، بكل محبة وأخوة وبدون مَّن كما فعلت إحدى دول الخليج التى ادعت أنها وضعت وديعة – تسترد بعد حين – بمليار دولار لخدمة الاقتصاد اللبنانى وملآت الدنيا ضجيجاً بها ، فى حين أن هذه الدولة الخليجية الكبيرة ، نسيت ، ونسى أمراؤها أن يقولوا للناس أنها كسبت بسبب هذه الحرب العدوانية ومن ارتفاع بترولها ما قيمته 3.750 مليار دولار (ثلاثة مليار وسبعمائة وخمسون مليون دولار) ، فلماذا المَّن على من ضحى بالدماء الذى به ارتفع أسعار نفطكم !!
لقد كان الفرز إذاً واضحاً ؛ وجاء الانتصار ليؤكد هذا الفرز بين " معسكر الرجال " ومعسكر " أشباه الرجال " ، والذين كان منطقياً أن يتحركوا بهذه القوة الإعلامية حتى يداروا على سوءاتهم التى رآها العالم أجمع أثناء الحرب العدوانية ، سوءاتهم التى طرب لها الصهاينة ، وتفاجئوا كما يقولون فى صحافتهم بمستوى أريحيتها وبمدى الدفء الذى حملته تصريحاتهم وفتاويهم الدينية ، التى غطت على العدوان وباركته عملياً ، حتى وإن لم تفصح ذلك قولياً .
ثانياً : إذن ليست مفاجأة بعد هذه القسمة الرأسية للخنادق التى أحدثها انتصار حزب الله أن يخرج وليد جنبلاط وسعد الحريرى (لا أدرى لماذا يسمون الأخير بالشيخ رغم أن الفتى دون هذا اللفظ الجليل معنى ومبنى ؟!) ، ليقولا ما قالاه عن المقاومة ، وعمَّن ساندها ، ولكن المحزن حقاً ، هو أن يردد البعض من سياسى واعلامى المنطقة من خلفهما ، ما قالاه وكأنه " الحق " ، أو كأن ما قالاه هؤلاء معزول عن سياق سياسى إقليمى ودولى ، أو أن ما يبشران به منفصل عما تقوله وتطالب به أمريكا وإسرائيل وحلفائهما فى فرنسا وبريطانيا ومن لف لفهم من عرب وعجم منذ قتلوا الحريرى وحتى انتهاء الحرب العدوانية الفاشلة ، ان تصور البعض – سواء السياسيين أو الاعلاميين الشرفاء أو من شريحة المارينز – أن الأقوال التى صدرت عن (جنبلاط) و(الحريرى الابن) هى تصريحات تعبر عن رؤية خاصة ، يعد فى تقديرنا تصوراً خاطئاً ، وذلك لأن سياق إصدار القرار (1701) ، وما تلاه من تحركات ، تحاول أن تخطف النصر،























